استيقظت
فرح كعادتها كل يوم...بتكاسل شديد .. تدفع الغطاء أمامها لتمنع نور الشمس الهارب
من ستارة النافذة أن ينفذ إلى عقلها النائم فيدرك الصباح.
"هيا
يا بنت..قد انتصف النهار قومي.." صاحت بها أمها من بعيد, كأنها تقوم بواجبها
كأم يحتم عليها إيقاظ ابنتها في الصباح و لكن ابنتها كعادتها لن ترد فلم تتعب
نفسها بالوصول إليها.
أدارت
فرح ظهرها للشمس ودفنت رأسها تحت الغطاء الناعم....
"هيا
قومي يا عائشة..قد أذن الفجر".... صوت غريب يناديها باسم غريب.. رفعت الغطاء
فاصطدمت عيناها بشمس شديدة الحرارة...مرت عدة لحظات قبل أن تستطيع أن تدير وجهها و
تفتح عينيها فتنظر حولها لهذا المحيط الغريب عليها...
أين
غرفتها الموردة... أين الستائر
المخملية على النافذة...أين لعبها و كتبها وكل ما تعرفه...بل أين الشمس التي
تعرفها..هي تعرف الشمس الباردة الباهتة اللون..لا تعرف هذه الحرارة و هذا الضياء
الناصع البياض..
وجدت
نفسها في غرفة طينية..تنام على فراش ...الفراش على حصيرٍ باهت اللون، النافذة
عبارة عن إطار خشبي يتدلى أمامه ستار من قماش خشن لا تعرفه.. يأتي من خلفه صوت
جميل..
وقفت
أمام النافذة ليذهلها أكثر البحر..بكامل هيبته وعظمته..بهدير أمواجه القوية
الجبارة..ولونه الهادئ الذي يتلألأ تحت هذه الشمس الجديدة.. نسيم البحر غسل وجهها
ليزيل ما فيه من تكاسل و دهشة و ملل...
"هيا
يا عائشة ما بك تأخرت اليوم...."
نظرت
خلفها ..ووجدت سيدة كبيرة في السن ترتدي الثوب الفلسطيني القديم ..قد رأته قبل ذلك
في خزانة أمها لتذكرها بما كانت جدتها تلبس عندما كانت في قريتهم الساحلية الجميلة
التي طردت والدتها وأهلها منها
..قبل أن تولد...
لم
يكن وجه السيدة غريباً عليها بل كان مألوفاً لأبعد حد. ذكرها بوجه أمها دون أن يحمل معه تجاعيد الغربة و ألم
السنين..كان وجه أمها لكن يملأه الهدوء و تجمله الابتسامة التي لم تعد تراها على
وجه أمها منذ مدة طويلة...
لم
تستطع أن تقول شيء أو أن تسأل عن شيء ..تقدمت نحو السيدة وقبلتها بدون أي كلمة...
"هيا
يا حبيبتي والدي ينتظر على الشاطئ...بدأ في الصيد مبكراً اليوم...احملي له الماء
..هيا رعاك الله.."
أخذت
الإناء الفخاري من السيدة و خرجت.. لا تعرف إلى أين لكنها أحبت العمل اليوم وودت
لو تمشي قبالة هذا البحر وهذه الشمس إلى الأبد...
التفت
لثوبها لتجد أنها ترتدي ثوبا فضفاضاً طويلاً..لم تعتد أن ترتدي غير البنطال..لكن
سيرها بهذا الثوب أحسسها بأنها أجمل نساء الأرض في تلك اللحظة..
سارت
و سارت في خط مستقيم باتجاه الشمس.. حولها بيوت قديمة و على تل عال جامع كبير يطل
على البحر و كأنهما يتحدثان معاً عن أحوال الكون...
حتى
وصلت فوجدت رجلا عجوزاً عرفته على الفور من صورته القديمة عندها..إنه جدها ..كان
شيخاً و صياداً ....
تقدمت
نحوه ... قبلت يديه و جبهته وقدمت له الماء..
"الله
يرضى عليك يا بنتي..اقعدي معي شوي .. شوفي البحر ما أكرمه.."
جلست
بجانبه..و تنفست بعمق لتشم رائحة البحر ورائحة جدها...ونظرت إلى الشمس كأنها تراها
لأول مرة...
"هيا
يا فرح قومي...سيؤذن العصر و أنت لا زلت نائمة"....
رفعت
أمها الغطاء لتجد فرح نائمة و تبتسم ...توقفت عن إيقاظها..غطتها ثانية
وقبلتاها..ثم عادت لعملها...