البقعة
السوداء
جلست تنظر من نافذتها على
مدخل البيت.. لم يكن مدخلاً بمعنى الكلمة, ممر صغير يتفرع من الممر طويل الذي
تترامى حوله بيوت المخيم.
جلست تنظر لتلك البقعة السوداء أمام الباب..كم
حاولت جاهدة أن تزيلها وتنظفها...لكنها لم تستطع...أمها ظلت ترمقها كلما مرت
بقربها..قد غاظتها ضحكة أمها وهي تكرر " لن تنظف ...لا تحاولي...اعملي شيء
مفيداً بوقتك هذا...لن تزول هكذا بسهولة"
امتد سهرها طويلاً..لا تدري لماذا تشغلها هذه
البقعة كثيراً..فمنظر البيت لن يتحسن بزوالها. هذا السقف المصفح والحيطان السميكة
لا تدع مجالاً للجمال أن يتنفس هنا.. أقنعت نفسها أن هذه البقعة لن تؤثر بكثير أو
قليل..فلتتركها وشأنها وتحاول النوم..
ما إن ابتعدت
قليلاً عن النافذة حتى سمعت صوت أقدام يقترب بهدوء ..نظرت لترى أخاها. كان متلفعاً
بكوفيته..ويتقدم نحو مدخل البيت وهو ينظر خلفه وحوله.
-
"بسس"... نادته بصوت حاد.."ماذا
تفعل في الخارج حتى الآن؟.. أبي يجلس في (الحوش)، سيوبخك إن رآك.."
كان والده المقعد يحب النوم في العراء..لعله ينتظر
من الهواء المار أن ينقل له رائحة أرضه التي يتكلم عنها دائماً. أو لعله ينظر إلى
السماء وينتظر العدل.
-
"اخفضي صوتك..تأكدي أن أبي نائم لأدخل دون أن
ألفت انتباهه..ولا تصدري أي صوت..دبابات الجبناء قريبة من هنا"
بدأ الخوف يتسرب لقلبها، مع أنها لم تخف يوماً
منهم..فهم جبناء وعار عليها أن تخاف من الجبناء..
لكنها اليوم تخاف على أخيها..
-
" أخي هل قمت بشيء..هل يبحثون عنك"
-
"لا شيء...لاشيء" و أشاح بوجهه عنها،
"..هيا أسرعي لا أستطيع البقاء في الخارج"
أسرعت خارج غرفتها..والدها نائم ووجه إلى السماء،
إصبع التشهد مرفوع كعادته عندما ينام... راقبته قليلاً..وسرعان ما سمعت صوتاً في
الخارج.. تسللت إلى المدخل وفتحت الباب..صاح أخوها فجأة وهو يأخذ مقبض الباب
ويغلقه.." أغلقي الباب ..أدخلي"
قفزت نحو النافذة..و كان ما لم تحسب له حساب...
جندي سكران وصديقه معه..يلحون بسلاحهم الأمريكي في
وجه أخيها...
-
ماذا تفعل في الخارج... ألا تعلم أن هناك حظر
للتجول...ألا تعلم أن بإمكاني أن أقبض عليك الآن...
قالها الجندي بكل بساطة بعربية مكسرة و جسم يتلوى
من نشوة الشراب..
-
أنا أقف أمام بيتي..ماذا تريد مني؟..
-
بيتك؟... أي بيت..هذه الحجارة..سأهدمها غداً فلا
بيت لكم هنا..
-
اهدمه!..سنبنيه من جديد
-
أنت وقح..
التفت وجه الجندي الثاني نحو النافذة..لينطق لأول
مرة..
-
هذه الجميلة
أختك..أم..زوجتك؟
خافت وأغلقت نافذتها ولكنها التصقت بالأرض لتسمع ما
يجري..
-
ابتعد عن الطريق..قال السكير وهو يضع يده على
أخيها...
-
لنرى الجميلة..ستجيبنا هي إن لم تجب أنت..قال
الثاني وهو يضحك..
ثم سمعت صرختهما..قد أخذ أخوها الخنجر من قدمه
وطعنهما..أرادت النهوض ثم سقطت على الأرض بعد أن سمعت الطلقات تنهال على
أخيها..وأخر ما سمعته قول أخيها بطمأنينة غريبة: "أشهد أن لا إله إلا الله و
أن محمداً رسول الله".
في الصباح كان الجميع في تشييع الشهيد..بقيت هي
وأمها في البيت..
نظرت لها أمها بإشفاق وقالت.." هيا قومي
لتنظيف مدخل البيت..سيعودون قريباً"
خرجت ونظفت وعادت وهي تنظر لأمها على وجهها ابتسامة
حزينة وعينيها غارقتان في الدموع الصامتة..تريد أن تقول شيءً لكنها لم
تستطع..أخذتها أمها في حضنها وقد عرفت ما أرادت بنتها أن تقول..قد كبرت ابنتها
اليوم مائة عام..
البقعة السوداء قد زالت تماماً..غسلها دم الشهيد..